عبد السلام مقبل المجيدي
285
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
وعلى هذا التقرير يحمل قول الفراء - رحمه اللّه تعالى - في وجه الاستثناء : " إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ . . . " الأعلى / 7 " وهو لم يشأ أن تنسى شيئا ، كقوله جلّ جلاله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ . . . " هود / 107 " ، ولا يشاء « 1 » ، ويقال في الكلام : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت ، وإلا أن أشاء أن أمنعك ، والنية على أن لا يمنعه شيئا ، فعلى هذا مجاري الأيمان ، يستثنى فيها ، ونية الحالف التمام " « 2 » ، إذ لا وجه لنفي النسيان مطلقا « 3 » ، وقد ثبت من طريق صحيح ، إلا على سبيل نفي النسيان الكلي كما سبق تقريره ، وكما يحمل عليه قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث بدء الوحي الذي رواه الحارث في مسنده : ( فما نسيت شيئا بعد ) « 4 » . ومن أعظم فوائد الاستثناء ومقتضياته المنهجية في تعليم القرآن الكريم ما قرره الآلوسي من : " أن اللّه - تعالت قدرته - يعلم عباده بضعفهم وقدرته ، حتى يعلم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن عدم النسيان من فضله تعالى ، وإحسانه لا من قوته ، أي حتى يتقوى على ذلك جدا ، أو ليعرف غيره ذلك " « 5 » . وهو تأكيد على المصدرية الإلهية ، ومقتضياتها .
--> ( 1 ) أظهر منه قوله تعالى : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا " الإسراء / 86 " ، ولم يشأ - سبحانه - ذلك ، وصرّح بذلك من أئمة اللغة أبو إسحاق ، ثم ذكر في توجيه الآية قريبا مما قرّر هاهنا فقال : " ويجوز أن يكون ( إلا ما شاء اللّه ) مما يلحق بالبشرية ، ثم يتذكر بعد ، ليس أنه على طريق السلب للنبي صلى اللّه عليه وسلم شيئا أوتيه من الحكمة " . انظر : لسان العرب 14 / 132 ، مرجع سابق ، وانظر في ورود كلام مستثنى منه ولا يقتضي التحقق : شرح العقيدة الطحاوية ص 425 ، مرجع سابق . ( 2 ) ( الفراء ) أبي زكريا يحيى بن زياد ت 207 ه : معاني القرآن 3 / 256 دار السرور - تحقيق : أحمد يوسف نجاتي ، محمد على النجار ، وقريب منه قول من قال : " الاستثناء بمعنى القلة ، وأريد بها النفي مجازا ، وقيل الكلام عليه من باب : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم . . . " انظر : روح المعاني 30 / 190 ، مرجع سابق . ( 3 ) حتى أن الإمام أبا حيان - رحمه اللّه تعالى - في البحر المحيط 8 / 458 ، مرجع سابق ، نعى على من زعم أن الاستثناء غير مراد ، وقال : يجعل الاستثناء كلا استثناء ، وهذا لا ينبغي أن يكون في كتاب اللّه ، ولا في كلام فصيح " ، وهو كلام فصيح ، ولكن يسّاقط تثريبه ، ثم تثريب الآلوسي - رحمه اللّه تعالى - عليه بما جمع به بين تلك الأقوال في التقرير أعلاه . ( 4 ) مسند الحارث 2 / 867 ، مرجع سابق . ( 5 ) انظر : روح المعاني 30 / 191 ، مرجع سابق ، وانظر : البحر المحيط 8 / 430 ، مرجع سابق .