عبد السلام مقبل المجيدي

283

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

الخفي ، فيعلم اللّه عزّ وجل أنه اختفى في حافظته حين القراءة ، فلم يبرز إلى النطق به « 1 » ، وقال القرطبي : " الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك ، وما يخفى هو ما نسخ من صدرك " « 2 » . وعدم جواز نسيانه على مجموع الأمة ، هو ما عبر عنه القرطبي بعدم النسيان الكلي في قوله : " وقيل إلا ما شاء اللّه أن ينسى ، ثم يذكر بعد ذلك ، فإذا قد نسي ، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا " « 3 » ، وقال عنه الآلوسي : " ثم إنه صلى اللّه عليه وسلم لا يقر على نسيانه القليل أيضا ، بل يذكره اللّه تعالى أو ييسّر من يذكّره ، ثم إن المراد من نفي نسيان شيء من القرآن : نفي النسيان التام المستمر مما لا يقر عليه صلى اللّه عليه وسلم « 4 » ، وقرر الإمام النووي ذلك فقال : " قوله صلى اللّه عليه وسلم ( كنت أنسيتها ) دليل على جواز النسيان عليه صلى اللّه عليه وسلم فيما قد بلّغه إلى الأمة ، وقال القاضي عياض : " جمهور المحققين : جواز النسيان عليه ابتداء ، فيما ليس طريقه البلاغ ، واختلفوا فيما طريقه البلاغ والتعليم ، ولكن من جوّز قال : لا يقر عليه ، بل لا بد أن يتذكره ، أو يذكره " « 5 » ، وقال الإسماعيلي : " النسيان من النبي صلى اللّه عليه وسلم لشيء من القرآن يكون على قسمين : أحدهما : نسيانه الذي يتذكره عن قرب ، وذلك قائم بالطباع البشرية ، وعليه يدل قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضى اللّه عنه في السهو : ( إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ) « 6 » ،

--> ( 1 ) انظر : التحرير والتنوير 30 / 282 ، مرجع سابق . ( 2 ) تفسير القرطبي 20 / 21 ، وأشار الزمخشري إلى نحو من ذلك 4 / 204 ، مرجع سابق . ( 3 ) تفسير القرطبي 20 / 19 ، مرجع سابق ، وبهذا التقرير يجمع بين الأقوال المختلفة في معنى قوله جلّ جلاله : إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ . . . حال كون هذه الجملة القرآنية تتسع لكل تلك التأويل ، وتحتملها من حيث الأصيل الشرعي واللغوي ، وبذا لا يكون مبرر لاستظهار الإمام الطاهر بن عاشور - رحمه اللّه تعالى - لكون معنى الاستثناء ينصرف إلى النسخ في التلاوة ، انظر : التحرير والتنوير 30 / 280 ، مرجع سابق . وثمّ قولان ضعيفان ذكرهما القرطبي في آخر تأويل هذه الجملة 20 / 19 ، مرجع سابق . ( 4 ) روح المعاني 20 / 190 ، مرجع سابق . ( 5 ) شرح صحيح مسلم 6 / 323 ، مرجع سابق . ( 6 ) البخاري 2 / 900 ، مرجع سابق .