عبد السلام مقبل المجيدي
261
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
القرآن من وساوس المجانين ، فسلامة مبلّغه من الجنون تقتضي سلامة قوله عن أن يكون وسوسة « 1 » . ودفعت هذه التهمة ببيان طبيعة الوحي ؛ كما قال سبحانه وتعالى عنهم مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ " الدخان / 14 " ، فأجاب عزّ وجل فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ " الطور / 34 " ، فالمجانين يمكن تقليد كلامهم حتى على الصبيان . ثالثا : دفع تهمة التخيل بتأثير الجن : وأصل هذه الشبهة في عقول أصحابها : عائد إلى أمرين : 1 - أن الجن عالم غيبي كالملائكة ، فيحتمل عندهم أن يكون ملك الوحي من الجن لا من الملائكة لاستواء الاحتمالين ؛ إذ هما غيب بالنسبة للبشر ، ولذا أورد ابن الأثير - رحمه اللّه تعالى - رواية لحديث بدء الوحي ، قالت فيها خديجة - رضي اللّه عنها : ( أخاف أن يكون عرض له : أي عرض له الجنّ ، أو أصابه منهم مسّ ) « 2 » . 2 - تشبيه حالة الوحي الشديدة بحالة الكهان ، قال ابن خلدون - رحمه اللّه تعالى - : " ولأجل هذه الغاية في تنزّل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون ، ويقولون له رئي أو تابع من الجن ، وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال ، ومن يضلل فما له من هاد " « 3 » ، ولذا فبعد وصف القرآن الكريم للرسول الملقي ، والرسول الملقى عليه القرآن بصفاتهما اللائقة التي تزيل وطأة الشبهة المستحكمة لكل ذي عقل - نفى طروء تدخل خارجي يضيّع على الملك عليه السلام تأدية أمانته ، وعلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم تبليغ وحي ربه ، ولا يكون ذلك في الإنس لأنهم أضعف من أن يحصل منهم التدخل ؛ إذ حوكموا إلى قوانينهم
--> ( 1 ) انظر : التحرير والتنوير 30 / 157 ، مرجع سابق . ( 2 ) النهاية في غريب الحديث 3 / 211 ، ولم يعثر الباحث على مخرج الحديث بهذا اللفظ بعد لأي . ( 3 ) مقدمة ابن خلدون ص 92 ، مرجع سابق .