عبد السلام مقبل المجيدي
240
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
فإن اعترض بأن : ذا كان جائزا أول الأمر قبل التبليغ ، أما استمرار حفظه بعد فلا ؟ . فالجواب : إن لم يجب استمرار الحفظ ، فكيف يكون التذكير الذي هو جزء من ماهية التبليغ ؟ وقد قال اللّه - تعالى ذكره - في معرض حصر مهمة النبي صلى اللّه عليه وسلم : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ " الغاشية / 21 " . وعند النظر في الشريعة يستبين أن من أهم أسماء القرآن ( الذكر ) ، والذكر عام للناس كلهم . . . وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . . . " النحل / 44 " ، وخاص للمؤمنين . . . فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ " ق / 45 " ، وذلك كله مستلزم للتذكير بما يريده اللّه سبحانه وتعالى المقتضي لاستمرارية الحفظ . . . ولذا كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن كل عام ، فإن لم يكن هذا دليلا على وجوب الاستمرار لحفظ القرآن فعلى ما ذا يدل هذا ؟ . 7 - قوله عزّ وجل : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ " ق / 9 " : والحفظ لا يتم للقرآن خارج النواميس الإلهية ، وذلك أمران : أ - ما يتم بالقدرة الإلهية المحضة ، وهو مشاهد ملموس ؛ إذ قد أحاط بالكتاب الكريم من المكر الكبار ما كادت أن تميد منه الجبال ، ولا تكفي القدرة الإسلامية ، المتمحض بشريتها لصده ، خاصة في فترات الاستضعاف . . . وعلى الرغم من ذلك يظل الكتاب الكريم محتفظا بثبات لفظه ، وازدياد رسوخ نصه . ب - ما شرفت الأمة بالتكليف به ؛ إذ هي وارثة الكتاب ، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا . . . " فاطر / 32 " ، ولئن استحفظ أهل الكتاب السابقين على ما نزل إليهم ، لذاك كائن أوجب في حقنا ، وقد قال الصاوي - رحمه اللّه تعالى - : " . . . سيما ، وقد جعل اللّه له خدمة من البشر يحفظونه " « 1 » ، وقال صاحب
--> ( 1 ) حاشية الصاوي وبهامشه تفسير الجلالين 2 / 314 ، مرجع سابق .