عبد السلام مقبل المجيدي

237

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

1 - أول سورة نزلت عليه هي سورة اقرأ باسم ربك « 1 » : فبدايتها اقْرَأْ ، فأنى له بالقراءة وقد قال ربه عزّ وجل عنه : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ " الشورى / 52 " ، وذاك موجب قراءته من حفظه ، فقوله سبحانه وتعالى : اقْرَأْ أمر بالقراءة ، والقراءة نطق بكلام معين مكتوب ، أو محفوظ عن ظهر قلب ، والأمر بالقراءة مستعمل في حقيقته من الطلب لتحصيل فعل في الحال أو الاستقبال ، فالمطلوب أن يقرأ ما سيقرأ عليه ، وفي حديث عائشة - رضي اللّه تعالى عنها - في بدء الوحي : ( فرجع بها رسول اللّه يرجف فؤاده ) « 2 » أي فرجع بالآيات التي قرئت عليه ليحفظها لا ليكتبها أي رجع متلبسا بها ، أي بوعيها ، وهذا يدل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلقى ما أوحي إليه ، وقرأه حينئذ ، ويزيد ذلك إيضاحا قولها في الحديث ذاته ( فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل ، فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ) أي : اسمع القول الذي أوحي إليه ، وهذا ينبئ بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندما قيل له بعد الغطة الثالثة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الآيات الخمس كان قد قرأها ساعتئذ ، كما أمره اللّه سبحانه وتعالى ، أو حفظها على الأقل ، ورجع من غار حراء إلى بيته يقرؤها ، وعلى هذا يكون قول الملك له في المرات الثلاث اقْرَأْ إعادة للفظ المنزل من اللّه عزّ وجل ، إعادة تكرير للاستئناس بالقراءة التي لم يتعلمها من قبل « 3 » ، ولم يذكر لفعل اقْرَأْ مفعول ؛ إما لأنه نزّل منزلة اللازم ، وأن المقصود أوجد القراءة ، وإما لظهور المقروء من المقام ، وتقديره : اقرأ ما سنلقيه إليك من القرآن « 4 » . فإن اعترض بأن : القراءة تتحقق القراءة بكلمة وكلمتين ، وآية وآيتين ، وسورة وسورتين ، فأين وجوب قراءته عليه كله ، ومن ثم فأين وجوب حفظه عليه كله ؟ .

--> ( 1 ) هذا هو الاسم المشهور عند علماء التفسير ، وكذلك على ألسنة الصحابة . ( 2 ) صحيح البخاري 1 / 3 ، مرجع سابق . ( 3 ) وهذا المعنى لا ينافي غيره من المعاني التي لا تتضاد . ( 4 ) انظر : التحرير والتنوير 30 / 434 ، مرجع سابق .