عبد السلام مقبل المجيدي
230
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
بل كان لا يحدث شيئا يتصل بالدين من تلقاء نفسه ، حتى فيما يمكن دخوله في النصوص العامة ، فعن رافع بن خديج رضى اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأخرة إذا اجتمع إليه أصحابه ، فأراد أن ينهض قال : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك ، وأتوب إليك ، عملت سوءا ، وظلمت نفسي ، فاغفر لي ؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) قال - فقلنا : يا رسول اللّه ! إن هذه كلمات أحدثتهن ؟ قال : ( أجل " ! جاءني جبريل عليه السلام فقال : يا محمد ! من كفارات المجلس ) « 1 » ، فإحداثه لهن ليس أمرا من عند نفسه كما ظهر . وكان صلى اللّه عليه وسلم يأبي الإجابة على سؤال فرعي حتى يستأمر جبريل عليه السلام فيه ، كما سبق ، وعن جبير ابن مطعم رضى اللّه عنه أن رجال أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ! أي البلدان شر ؟ فقال : ( لا أدري ) ، فلما جاءه جبريل عليه السلام قال : ( يا جبريل ! أي البلدان شر ؟ قال : لا أدري حتى أسأل ربي عزّ وجل ، فأنطلق جبريل ، فمكث ما شاء اللّه ، ثم جاء ، فقال : يا محمد ! إنك سألتني أي البلدان شر ، فقلت : لا أدري ، وإني سألت ربي عزّ وجل : أي البلدان شر ، فقال : أسواقها ) « 2 » . فإن كان يأبي أن يفسر القرآن إلا بوحي وهو فرع اللفظ ، فليكن كذلك فيما هو فرع أقرب للفظ من المعنى ، وهو أداء ذلك اللفظ . وإن كان يأبى إحداث ذكر يناسب الحال ، وهو فرع تعقل المعنى في النصوص العامة ، فكيف بفرع ألفاظ هذه النصوص العامة مما لا مجال فيه للعقل ، وهو أداؤها ؟ . وإن كان لا يحدث شيئا من تلقاء نفسه في التكليفات الفرعية ، فليكن الأمر كذلك في فروع الألفاظ ، وجامع كل أنه فرع .
--> ( 1 ) السنن الكبرى للنسائي 6 / 113 ، مرجع سابق . ( 2 ) مسند أبي يعلى 13 / 400 ، مرجع سابق .