عبد السلام مقبل المجيدي

210

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

وإذا كان التكليف بالأمور العبادية الفرعية مثلا قد بلغ مستوى من الدقة في التوقيف تعجم كل من يريد التهوين من اللفظ القرآني ، فتحيل ما أعجمه مهملا ، فكذلك نقل كلام اللّه عزّ وجل . . . ومن نماذج ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم جاءه جبريل عليه السلام في أول ما أوحي إليه فأراه الوضوء والصلاة ، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء ، فنضح بها فرجه « 1 » . ولا يعلّمه هذا المستوى من الدقة في الأمور العبادية التي اصطلح على تسميتها بالفرعية ، ويفقر أصل أصول الشريعة من المماثلة في دقة التعامل ، بل كان مستوى الدقة في لفظ القرآن بالغا غاية لا يصدقها عقل بشري ، لولا أنها نقلت . . . وإنما قيل : لا يصدقها عقل بشري ؛ لأنها لا تخطر على باله من حيث هذه الضخامة في تتبع قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم حرفا حرفا ، كنقلهم عدد شعرات النبي صلى اللّه عليه وسلم « 2 » ، ولنقل حروف القرآن أخطر وأجل . ب - بيان رقي الصحبة بين المعلّم عليه السلام والمتعلّم صلى اللّه عليه وسلم التي تؤدي إلى المتابعة المتميزة التي كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحظى بها من جبريل عليه السلام بأمر اللّه عزّ وجل ، وذي المتابعة تعطي خصوصية للمعلّم عليه السلام والمتعلم صلى اللّه عليه وسلم هنا ، لا توجد بين غيرهما ، لا جرم أن قول اللّه سبحانه وتعالى . . . فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا . . . " الطور / 48 " ، مفسّر لتلك العلاقة التي بلغت ذروتها ، حتى يكاد جبريل عليه السلام لا يفارق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا فيما نذر أمرا من ربه عزّ وجل ، مع المعية العامة والخاصة للّه سبحانه وتعالى . . . وذا

--> بصره . . . وتراه يذكر مبثوثا في كتب أصول الفقه بأسماء متعددة منها : القياس الأولوي ، والعموم المعنوي ، ونحو ذلك . . . ومن أجل هذه الأهمية التي يكتسبها هذا الدليل نبه عليه ابن رشد - رحمه اللّه تعالى - في مقدمة كتابه الفقهي الفريد : بداية المجتهد ، انظر : ( ابن رشد ) القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد ت 595 ه : بداية المجتهد ونهاية المقتصد - المقدمة 1 / 5 ، تحقيق وتعليق : محمد صبحي حسن حلاق ، الطبعة الأولى 1415 ه - مكتبة ابن تيمية - القاهرة . ( 1 ) ( الكسي ) أبو محمد عبد بن حميد بن نصر ت 249 ه : المنتخب من مسند عبد بن حميد ، مراجعة : صبحي البدري السامرائي - محمود محمد خليل الصعيدي ، 1408 ه - 1988 م ، مكتبة السنة - القاهرة ، ورواه ابن ماجة 1 / 157 ، مرجع سابق . وقال الألباني : " صحيح " . ( 2 ) إشارة إلى حديث أنس رضى اللّه عنه عند الترمذي 4 / 435 ، مرجع سابق .