عبد السلام مقبل المجيدي
191
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
السمة الأولى : أنها أتت بعد خطوات الحفظ التي أولها خطوات التلقين . . . والمقتضى المنهجي لذلك جعل المعارضة مرتبة تالية للمتقنين لتأكيد الحفظ ، وتثبيت مخارج الحروف ، والتأكد من وجوه الأداء ، وبقاء كل ذلك على الدوام دون تطرق خلل له بفعل الأمد ، فالمعارضة هي غاية التحقيق . والسمة الثانية : أنها جمعت بين السماع والعرض ، فأزالت قوادح كل طريقة على حدة : أما العرض ( من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على جبريل عليه السّلام عرض الطالب على شيخه ) : فقد جاء في رواية البخاري : ( يعرض عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) وعليها أغلب الروايات . وأما السماع ( من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل عليه السّلام سماع الطالب لشيخه ) : فقد جاءت بقية الروايات مبهمة فاحتملت العرض والسماع ، وتأكد ذلك بروايات المفاعلة ( يعارض ، يدارس ونحوها ) ، والمفاعلة لا تكون إلا من طرفين غالبا « 1 » ، ووردت روايات مصرحة بالسماع ، منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : ( كان يعرض على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن كل عام مرة ، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه ، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه ) « 2 » . ويزيد الأمر تأكيدا أن القراء والمحدّثين لا يستخدمون إلا لفظ ( يعرض ) للتعبير عن المراد لتصل أعلى درجات الاحتياط في نقل ألفاظ القرآن الكريم ، وذا ما فهمه الإمام النسائي فبوب في سننه الكبرى : " باب عرض جبريل عليه السّلام القرآن " « 3 » ، ومن قبله الإمام
--> ( 1 ) وقد تستخدم في فاعل واحد مثل عاقب وداوى وسافر . . . ولكن هذا استثناء ، وذاك أصل . ( 2 ) صحيح البخاري 4 / 1911 ، مرجع سابق ، وعند الإسماعيلي في مستخرجه على البخاري بلفظ : " كان جبريل عليه السّلام يعرض على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن في كل رمضان " . ( 3 ) ورواية صحيح ابن خزيمة 3 / 193 ، مرجع سابق ، فيها إجمال يؤيد هذا الاستنتاج ، ففيها : ( يأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن ) ، . . . فيستأنس بذلك على المطلوب ، ويصير هذا في حيز الثبات بحديث عائشة - رضي اللّه تعالى عنها - عن فاطمة في المعارضة ، حيث قالت : ( إن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة ، وإنه قد عارضني به مرتين ) قال ابن