عبد السلام مقبل المجيدي
188
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
ولا يعترض بأن هذه بديهة ! وتحصيل حاصل ، إذ لا يمكن عرض الألفاظ دون حروفها ؛ لأن التصريح بمتابعة الحروف دليل على شدة الاعتناء بها ، وفيه رد على زاعم التكلف في حق من يخوض غمار علم الصوتيات ، على أنه قد يعنى بالحرف غير ذلك ، وهو اللفظ فيدخل ما ذكر ضمنا . ومما جاء دالا على أن لفظة ( يعرض ) تتضمن سبر الجوانب الداخلية قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لئن كنت أقصرت الخطبة ، فقد أعرضت المسألة ) « 1 » . قال ابن منظور : " أي جئت بالمسألة واسعة كبيرة " « 2 » ، وذاك بما تضمنته جوانبها الداخلية من معنى ، ولذا يقال فيمن يطيل العبارات أي الألفاظ الخارجية : أطلت الخطبة ، ولا يقال أعرضت . . . . فإن اعترض بالقول : ذاك ما نبغ ! فالمعروض - على ذلك - هو المعنى لا اللفظ ، فالجواب : أما تنزلا فليس أحدهما بأجلى من الآخر في الدخول الأولي في اللفظة ، وأما حقيقة فإن دخول الأداء الداخلي للفظ أقرب ، وأسرع تبادرا إلى الذهن « 3 » من دخول المعنى في العرض ، وهو المستخدم اصطلاحا في سائر العلوم ، وهذا من نوادر اصطلاحات
--> ( 1 ) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 2 / 98 ، مرجع سابق : عن البراء بن عازب - رضي اللّه تعالى عنه - قال : جاء أعرابي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ! علمني عملا يدخلني الجنة . قال : ( لئن كنت أقصرت الخطبة ، فقد أعرضت المسألة : أعتق النسمة ، وفك الرقبة ) قال : أو ليستا بواحدة ؟ قال : ( لا عتق النسمة أن تفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعطي في ثمنها ، والمنحة الوكوف ، والفيء على ذي الرحم القاطع ، فإن لم تطق ذاك ، فأطعم الجائع ، واسق الظمآن ، ومر بالمعروف ، وانه عن المنكر ، فإن لم تطق ذلك ، فكف لسانك إلا من خير ) . وقال الشيخ شعيب الأرناءوط في تعليقه على ابن حبان : إسناده صحيح ، وهو في مستدرك الحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، قال الذهبي في التلخيص ( لمستدرك الحاكم ) : صحيح . ( 2 ) لسان العرب 9 / 137 ، مرجع سابق ، وفي النهاية 3 / 323 : " ومنه الحديث ( فإذا عرض وجهه منسح ) أي جانبه " . ( 3 ) فمن اشتقاقات عرض كما في مختار الصحاح ص 178 ، مرجع سابق : " والعرض أيضا الجسد ، وفي صفة أهل الجنة ( إنما هو عرق يسيل من أعراضهم ) أي من أجسادهم " وقد سمى المناطقة وعلماء الكلام العرض في مقابلة الجوهر ، وهذا قريب في مقارنته باللفظ والمعنى .