الشيخ محمد هادي معرفة

14

التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب

ولا شكّ أنّ تفسير الفرّاء هذا هو أوّل تفسير تعرض لآيات القرآن آية آية ، حسب ترتيب المصحف وفسّرها على التتابع ، وتوسّع فيه . وكانت التفاسير قبله تقتصر على تفسير المشكل ، وبصورة متقطّعة ، غير مستوعبة لجميع الآيات على التتابع . وقد جنح إلى هذا الرأي الأستاذ أحمد أمين المصري في « ضحى الإسلام » « 1 » . وعلى أيّ تقدير ، فإنّ ذلك يعدّ أوّل بذرة غرست للتفسير المدوّن بشكل رتيب . فقد كان القرن الثاني من بدايته إلى نهايته ، عهد تطوّر التفسير ، من مرحلة تناقله بالحفظ إلى مرحلة كتابته بالثبت . كما أخذ بالتوسّع والشمول أيضا بعد ما كان مقتصرا على النقل بالمأثور . وازداد في القرن الثالث فما بعد ، في الأخذ في التنوّع ، وتلوّنه بألوان العلوم والمعارف والثقافات التي كانت دارجة في تلك العصور . تدرّج التفسير وتلوّنه وفي هذا الدور أخذ التفسير يخطو من مرحلة إلى أخرى ويزداد توسّعا وتنوّعا . فقد انتقل من دور التفسير بالمأثور إلى دور الاجتهاد العقلي وإعمال النّظر والرأي ، واستنباط معاني القرآن الكريم في ضوء الأدب - أوّلا - ثمّ في ضوء أنواع العلوم والمعارف الّتي كان ذلك العهد أهلا بها ، مضافا إليه بعض النظرات الفلسفية الكلامية ، ممّا نشأ على يد أرباب الكلام وذوي النزعات المذهبية العقائدية ، وكانت متنوّعة ذلك العهد . كل ذلك أثّر في التفسير ، وزاد في حجمه ،

--> ( 1 ) ضحى الإسلام ، ج 2 ، ص 140 - 141 .