ابن كثير

81

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

النجوى صدقة فلما نزلت الزكاة نسخ هذا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى شقوا عليه ، فأراد اللّه أن يخفف عن نبيه عليه السّلام ، فلما قال ذلك جبن كثير من المسلمين وكفوا عن المسألة ، فأنزل اللّه بعد هذا أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فوسع اللّه عليهم ولم يضيق . وقال عكرمة والحسن البصري في قوله تعالى : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً نسختها الآية التي بعدها أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ إلى آخرها . وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ومقاتل بن حيان : سأل الناس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أحفوه بالمسألة ففطمهم اللّه بهذه الآية ، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة ، فاشتد ذلك عليهم ، فأنزل اللّه الرخصة بعد ذلك فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وقال معمر عن قتادة إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً إنها منسوخة ما كانت إلا ساعة من نهار . وهكذا روى عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أيوب عن مجاهد قال علي : ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت ، وأحسبه قال : وما كانت إلا ساعة . [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 14 إلى 19 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 14 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 ) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 ) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 17 ) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 18 ) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 19 ) يقول اللّه تعالى منكرا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن . وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين كما قال تعالى : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [ النساء : 143 ] وقال هاهنا : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني اليهود الذين كان المنافقون يمالئونهم ويوالونهم في الباطن ثم قال تعالى : ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ أي هؤلاء المنافقون ليسوا في الحقيقة لا منكم أيها المؤمنون ، ولا من الذين يوالونهم وهم اليهود ، ثم قال تعالى : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يعني المنافقين يحلفون على الكذب ، وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا وهي اليمين الغموس ، ولا سيما في مثل حالهم اللعين عياذا باللّه منه ، فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، وإذا جاءوا الرسول حلفوا له باللّه أنهم مؤمنون ، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به ، لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه وإن كان في نفس الأمر مطابقا ، ولهذا شهد اللّه