ابن كثير

70

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أنت علي كظهر أمي ، وكان لها منه عيل أو عيلان فنازعته يوما في شيء فقال : أنت علي كظهر أمي ، فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في بيت عائشة ، وعائشة تغسل شق رأسه فقدمت عليه ومعها عيلها ، فقالت : يا رسول اللّه إن زوجي ضرير البصر فقير لا شيء له سيئ الخلق ، وإني نازعته في شيء ، فغضب فقال : أنت علي كظهر أمي ولم يرد به الطلاق ، ولي منه عيل أو عيلان فقال : « ما أعلمك إلا قد حرمت عليه » . فقالت : أشكو إلى اللّه ما نزل بي أنا وصبيتي ، قالت : ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر ، فدارت معها فقالت : يا رسول اللّه زوجي ضرير البصر فقير سيئ الخلق وإن لي منه عيلا أو عيلان وإني نازعته في شيء فغضب وقال : أنت علي كظهر أمي ولم يرد به الطلاق ، قالت : فرفع إلي رأسه وقال : « ما أعلمك إلا قد حرمت عليه » فقالت : أشكو إلى اللّه ما نزل بي أنا وصبيتي قال : ورأت عائشة وجه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تغير ، فقالت لها : وراءك وراءك فتنحت ، فمكث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غشيانه ذلك ما شاء اللّه ، فلما انقطع الوحي قال : يا عائشة أين المرأة فدعتها ، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اذهبي فأتيني بزوجك » فانطلقت تسعى ، فجاءت به فإذا هو كما قالت ضرير البصر فقير سيئ الخلق . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أستعيذ باللّه السميع العليم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها - إلى قوله - وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها » قال لا ، قال : « أفلا تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ » قال : والذي بعثك بالحق إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد يعشو بصري . قال : « أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ » قال : لا ، إلا أن تعينني . قال : فأعانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أطعم ستين مسكينا » قال : وحول اللّه الطلاق فجعله ظهارا ، ورواه ابن جرير « 1 » عن ابن المثنى عن عبد الأعلى عن داود سمعت أبا العالية فذكر نحوه بأخصر من هذا السياق ، وقال سعيد بن جبير : كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية ، فوقت اللّه الإيلاء أربعة أشهر وجعل في الظهار الكفارة ، رواه ابن أبي حاتم بنحوه ، وقد استدل الإمام مالك على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله مِنْكُمْ فالخطاب للمؤمنين ، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ، واستدل الجمهور عليه بقوله : مِنْ نِسائِهِمْ على أن الأمة لإظهار منها ولا تدخل في هذا الخطاب . وقوله تعالى : ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ أي لا تصير المرأة بقول الرجل أنت علي كأمي أو مثل أمي أو كظهر أمي وما أشبه ذلك ، لا تصير أمه بذلك إنما أمه التي ولدته ، ولهذا قال تعالى : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً أي كلاما فاحشا باطلا

--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 3 .