ابن كثير
7
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
المسجد وأولهم خروجا في سبيل اللّه « 1 » ، وهذه الأقوال كلها صحيحة فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا ، كما قال تعالى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [ آل عمران : 133 ] وقال تعالى : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الحديد : 21 ] وقال فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة ، فإن الجزاء من جنس العمل ، وكما تدين تدان ، ولهذا قال تعالى : أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي : حدثنا يحيى بن زكريا القزاز الرازي ، حدثنا خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ، عن عبد اللّه بن عمرو قال : قالت الملائكة يا رب جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون فاجعل لنا الآخرة ، فقال : لا أفعل ، فراجعوا ثلاثا فقال : لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان . ثم قرأ عبد اللّه وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية ولفظه : فقال اللّه عز وجل : لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 13 إلى 26 ] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 14 ) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ( 15 ) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ ( 16 ) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 18 ) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ( 19 ) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( 20 ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 21 ) وَحُورٌ عِينٌ ( 22 ) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( 23 ) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ( 25 ) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً ( 26 ) يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم ثلة أي جماعة من الأولين وقليل من الآخرين ، وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل : المراد بالأولين الأمم الماضية وبالآخرين هذه الأمة ، وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري ، رواها عنهما ابن أبي حاتم : وهو اختيار ابن جرير واستأنس بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة » ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد . ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع ، حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال : لما نزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ شق ذلك على أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة ، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني » ورواه الإمام
--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 627 .