ابن كثير
68
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ما ذاك عنده ، قالت : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « فإنا سنعينه بعرق « 1 » من تمر » قالت : فقلت يا رسول اللّه وأنا سأعينه بعرق آخر قال « قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا » قالت : ففعلت . ورواه أبو داود « 2 » في كتاب الطلاق من سننه من طريقين عن محمد بن إسحاق بن يسار به ، وعنده خولة بنت ثعلبة ويقال فيها خولة بنت مالك بن ثعلبة ، وقد تصغر فيقال خويلة ، ولا منافاة بين هذه الأقوال فالأمر فيها قريب واللّه أعلم . هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة ، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كانت سبب النزول ولكن أمر بما أنزل اللّه في هذه السورة ، من العتق أو الصيام أو الإطعام ، كما قال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر الأنصاري قال : كنت امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري ، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع ، فبينما هي تخدمني من الليل إذ تكشف لي منها شيء فوثبت عليها ، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت : انطلقوا معي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بأمري ، فقالوا : لا واللّه لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا ، أو يقول فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقالة يبقى علينا عارها ، ولكن اذهب أنت ، فاصنع ما بدا لك . قال : فخرجت حتى أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته خبري فقال لي « أنت بذاك » فقلت : أنا بذاك فقال « أنت بذاك » فقلت أنا بذاك قال « أنت بذاك » قلت نعم ، ها أنا ذا فأمض في حكم اللّه عز وجل فإني صابر له قال « أعتق رقبة » قال : فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت : لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها ، قال « فصم شهرين متتابعين » قلت : يا رسول اللّه وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام قال « فتصدق » فقلت : والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشي ما لنا عشاء ، قال « اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا من تمر ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك » قال : فرجعت إلى قومي فقلت : وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ، ووجدت عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السعة والبركة قد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ فدفعوها إليّ « 4 » ، وهكذا رواه أبو داود وابن ماجة واختصره الترمذي وحسنه ، وظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن الصامت وزوجته خويلة بنت ثعلبة ، كما دل عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل .
--> ( 1 ) العرق : زنبيل منسوج من الخوص . ( 2 ) كتاب الطلاق باب 17 . ( 3 ) المسند 4 / 37 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في الطلاق باب 17 ، وابن ماجة في الطلاق باب 25 .