ابن كثير

58

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان ، وإذا كان الأمر كذلك فلهذا حثه اللّه تعالى على المبادرة إلى الخيرات من فعل الطاعات وترك المحرمات التي تكفر عنه الذنوب والزلات وتحصل له الثواب والدرجات فقال تعالى : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ والمراد جنس السماء والأرض كما قال تعالى في الآية الأخرى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ آل عمران : 133 ] وقال هاهنا : أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي هذا الذي أهلهم اللّه له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم ، كما قدمناه في الصحيح أن فقراء المهاجرين قالوا : يا رسول اللّه ذهب أهل الدثور بالأجور بالدرجات العلى والنعيم المقيم قال « وما ذاك ؟ » قالوا : يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون ولا نتصدق ، ويعتقون ولا نعتق . قال : « أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين » قال : فرجعوا فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ « 1 » . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 22 إلى 24 ] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) يخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ أي في الآفاق وفي أنفسكم إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها أي من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة . وقال بعضهم : من قبل أن نبرأها عائد على النفوس ، وقيل : عائد على المصيبة ، والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة الكلام عليها كما قال ابن جرير « 2 » : حدثني يعقوب ، حدثني ابن علية عن منصور بن عبد الرّحمن قال : كنت جالسا مع الحسن فقال رجل سله عن قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها فسألته عنها فقال : سبحان اللّه ومن يشك في هذا ؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب اللّه من قبل أن يبرأ النسمة . وقال قتادة : ما أصاب من مصيبة في الأرض قال : هي السنون يعني الجدب وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ يقول : الأوجاع والأمراض ، قال : وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب ، وما يعفو اللّه عنه أكثر . وهذه الآية الكريمة العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق - قبحهم اللّه - وقال

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 155 ، والدعوات باب 17 ، ومسلم في المساجد حديث 142 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 686 .