ابن كثير
50
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
المزعجة والزلازل العظيمة ، والأمور الفظيعة ، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن باللّه ورسوله وعمل بما أمر اللّه به وترك ما عنه زجر . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان ، حدثنا ابن المبارك ، حدثنا صفوان بن عمرو ، حدثني سليم بن عامر قال : خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي ، فلما صلّى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات ، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع اللّه ، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة ، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من اللّه ، فتبيض وجوه وتسود وجوه ، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة ، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا ، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا ، وهو المثل الذي ضربه اللّه تعالى في كتابه فقال : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير ، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً وهي خدعة اللّه التي يخدع بها المنافقين حيث قال : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا ، فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ يقول سليم بن عامر : فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم النور ويميز اللّه بين المنافق والمؤمن ، ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا ابن حيوة ، حدثنا أرطاة بن المنذر ، حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال : يبعث اللّه ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث اللّه بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس : بينما الناس في ظلمة إذ بعث اللّه نورا ، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه ، وكان النور دليلا من اللّه إلى الجنة ، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم اللّه على المنافقين فقالوا حينئذ انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون ارْجِعُوا وَراءَكُمْ من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور . وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا الحسن بن عرفة بن علوية العطار ، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار ، حدثنا إسحاق بن بشر بن حذيفة ، حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترا منه على