ابن كثير
5
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال عكرمة : خفضت فأسمعت الأدنى ، ورفعت فأسمعت الأقصى ، وكذا قال الضحاك وقتادة . وقوله تعالى : إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي حركت تحريكا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها ، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد في قوله تعالى : إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي زلزلت زلزالا ، وقال الربيع بن أنس : ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه ، وهذا كقوله تعالى : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [ الزلزلة : 1 ] وقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [ الحج : 1 ] . وقوله تعالى : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي فتتت فتا ، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم ، وقال ابن زيد صارت الجبال كما قال اللّه تعالى : كَثِيباً مَهِيلًا . وقوله تعالى : فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي اللّه عنه : هباء منبثا كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء ، وقال العوفي عن ابن عباس في قوله فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئا ، وقال عكرمة : المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته . وقال قتادة هَباءً مُنْبَثًّا كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح . وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة وذهابها وتسييرها ونسفها أي قلعها وصيرورتها كالعهن المنفوش . وقوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً أي ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف : قوم عن يمين العرش . وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيمن ، ويؤتون كتبهم بأيمانهم ويؤخذ بهم ذات اليمين ، وقال السدي : وهم جمهور أهل الجنة ، وآخرون عن يسار العرش وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمائلهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار - عياذا باللّه من صنيعهم - وطائفة سابقون بين يديه عز وجل ، وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم ، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء ، وهم أقل عددا من أصحاب اليمين ، ولهذا قال تعالى : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم ، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [ فاطر : 32 ] الآية . وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه ، قال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً قال : هي التي في سورة الملائكة ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] . وقال ابن جريج عن ابن عباس : هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون