ابن كثير

43

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ الأنعام : 59 ] . وقوله تعالى : وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أي من الأمطار . والثلوج والبرد والأقدار . والأحكام مع الملائكة الكرام . وقد تقدم في سورة البقرة أنه ما ينزل من قطرة من السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمر اللّه به حيث يشاء اللّه تعالى . وقوله تعالى ، وَما يَعْرُجُ فِيها أي من الملائكة والأعمال كما جاء في الصحيح « يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل » « 1 » . وقوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم برا أو بحرا ، في ليل أو نهار في البيوت أو القفار ، الجميع في علمه على السواء وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم ، ويعلم سركم ونجواكم كما قال تعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [ هود : 5 ] . وقال تعالى : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ [ الرعد : 10 ] فلا إله غيره ولا رب سواه ، وقد ثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لجبريل لما سأله عن الإحسان : « أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 2 » وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة : حدثني أبي عن نصر بن علقمة عن أخيه عن عبد الرّحمن بن عائذ قال : قال عمر : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال زودني حكمة أعيش بها فقال : « استح اللّه كما تستحي رجلا من صالحي عشيرتك لا يفارقك » هذا حديث غريب ، وروى أبو نعيم من حديث عبد اللّه بن معاوية الغاضري مرفوعا « ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان إن عبد اللّه وحده وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام ، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة « 3 » ولا الشّرط اللئيمة ولا المريضة « 4 » ، ولكن من أوسط أموالكم وزكى نفسه » وقال رجل : يا رسول اللّه ما تزكية المرء نفسه ؟ فقال : « يعلم أن اللّه معه حيث كان » . وقال نعيم بن حماد رحمه اللّه : حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي عن محمد بن مهاجر عن عروة بن رويم ، عن عبد الرّحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أفضل الإيمان أن تعلم أن اللّه معك حيثما كنت » غريب ، وكان الإمام أحمد

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 293 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 1 ، ومسلم في الإيمان حديث 1 ، 5 ، 7 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في الإيمان باب 4 ، والنسائي في الإيمان باب 5 ، 6 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 107 ، 132 . ( 3 ) الدرنة : الجرباء . ( 4 ) الشرط اللئيمة والمريضة : أي رذال المال .