ابن كثير

313

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ أحدها ] ما رواه العوفي عن ابن عباس أنهم أرواح بني أدم [ الثاني ] هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة . وقال قتادة : هذا مما كان ابن عباس يكتمه [ الثالث ] أنهم خلق من خلق اللّه على صور بني آدم وليسوا بملائكة ولا ببشر ، وهم يأكلون ويشربون ، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش [ الرابع ] هو جبريل قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك ، ويستشهد لهذا القول بقوله عز وجل : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء : 193 - 194 ] وقال مقاتل بن حيان : الروح هو أشرف الملائكة وأقرب إلى الرب عز وجل وصاحب الوحي . [ الخامس ] أنه القرآن ، قاله ابن زيد كقوله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] الآية . [ والسادس ] أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ قال : هو ملك عظيم من أعظم الملائكة خلقا . وقال ابن جرير « 1 » : حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا رواد بن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال : الروح في السماء الرابعة هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ، يخلق اللّه تعالى من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفا وحده وهذا قول غريب جدا . وقد قال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن عرس المصري ، حدثنا وهب اللّه بن روق بن هبيرة ، حدثنا بشر بن بكر ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني عطاء عن عبد اللّه بن عباس : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن للّه ملكا لو قيل له التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل . تسبيحه سبحانك حيث كنت » وهذا حديث غريب جدا ، وفي رفعه نظر ، وقد يكون موقوفا على ابن عباس ، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات ، واللّه أعلم . وتوقف ابن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها والأشبه عندي واللّه أعلم أنهم بنو آدم . وقوله تعالى : إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ كقوله : لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ هود : 105 ] وكما ثبت في الصحيح « ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل » « 2 » وقوله تعالى : وَقالَ صَواباً أي حقا ومن الحق لا إله إلا اللّه كما قاله أبو صالح وعكرمة ، وقوله تعالى : ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ أي الكائن لا محالة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً أي مرجعا طريقا يهتدي إليه ومنهجا يمر به عليه . وقوله تعالى : إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يعني يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبا لأن كل ما هو آت آت يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أي يعرض عليه جميع أعماله خيرها وشرها . قديمها وحديثها كقوله تعالى : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [ الكهف : 49 ] وكقوله تعالى : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [ القيامة : 13 ] .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 415 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 129 ، والتوحيد باب 24 ، ومسلم في الإيمان حديث 299 .