ابن كثير
303
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
محالة . ثم قال تعالى : فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ أي ذهب ضوؤها كقوله تعالى : وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [ التكوير : 2 ] وكقوله تعالى : وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ [ الانفطار : 2 ] وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ أي انفطرت وانشقت وتدلت أرجاؤها ووهت أطرافها . وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ أي ذهب بها فلا يبقى لها عين ولا أثر كقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 105 - 107 ] الآية . وقال تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [ الكفة : 47 ] وقوله تعالى : وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ قال العوفي عن ابن عباس : جمعت . وقال ابن زيد : وهذه كقوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [ المائدة : 109 ] وقال مجاهد : أُقِّتَتْ أجلت . وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم أُقِّتَتْ أو عدت وكأنه يجعلها كقوله تعالى : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ الزمر : 69 ] . ثم قال تعالى : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول تعالى لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها حتى تقوم الساعة كما قال تعالى : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ إبراهيم : 47 - 48 ] وهو يوم الفصل كما قال تعالى : لِيَوْمِ الْفَصْلِ ثم قال تعالى معظما لشأنه : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي ويل لهم من عذاب اللّه غدا وقد قدمنا في الحديث أن ويل واد في جهنم ولا يصح . [ سورة المرسلات ( 77 ) : الآيات 16 إلى 28 ] أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ( 17 ) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 18 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 19 ) أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( 23 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 24 ) أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ( 27 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 28 ) يقول تعالى : أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ يعني من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ أي ممن أشبههم ولهذا قال تعالى : كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ قاله ابن جرير « 1 » . ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومحتجا على الإعادة بالبداءة : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أي ضعيف حقير بالنسبة إلى قدرة الباري عز وجل كما تقدم في سورة يس في حديث بسر بن جحاش « ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ؟ » « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 384 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 210 .