ابن كثير
287
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقد روى ابن جرير « 1 » من طريق العوفي عن ابن عباس لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ قال : كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه فقال اللّه تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ أن نجمعه لك وَقُرْآنَهُ أن نقرئك فلا تنسى ، وقال ابن عباس وعطية العوفي ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ تبيين حلاله وحرامه وكذا قال قتادة . وقوله تعالى : كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ أي إنما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزله اللّه عز وجل على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي الحق والقرآن العظيم ، أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة . ثم قال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ من النضارة أي حسنة بهية مشرقة مسرورة إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أي تراه عيانا كما رواه البخاري رحمه اللّه تعالى في صحيحه « إنكم سترون ربكم عيانا » « 2 » . وقد ثبتت رؤية المؤمنين للّه عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها ، لحديث أبي سعيد وأبي هريرة وهما في الصحيحين أنا ناسا قالوا : يا رسول اللّه هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال : « هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب ؟ » قالوا : لا ، قال : « فإنكم ترون ربكم كذلك » « 3 » . وفي الصحيحين عن جرير قال : نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى القمر ليلة البدر فقال : « إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر ! فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا » « 4 » وفي الصحيحين عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى اللّه عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » « 5 » . وفي إفراد مسلم عن صهيب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا دخل أهل الجنة الجنة - قال - يقول اللّه تعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ! قال : فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهي الزيادة » ثم تلا هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ « 6 » وفي إفراد مسلم عن جابر في حديثه « إن اللّه يتجلى للمؤمنين يضحك » « 7 » يعني في عرصات القيامة ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عز وجل في العرصات وفي
--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 339 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 24 . ( 3 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 24 ، ومسلم في الإيمان حديث 302 . ( 4 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 24 ، ومسلم في الإيمان حديث 299 . ( 5 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 24 ، ومسلم في الإيمان حديث 296 . ( 6 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 297 . ( 7 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 316 .