ابن كثير
276
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
هو الوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش لعنه اللّه . وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي عن ابن عباس قال دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن ، فلما أخبره خرج على قريش فقال يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة ، فو اللّه ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون ، وإن قوله لمن كلام اللّه فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا : واللّه لئن صبأ الوليد لتصبو قريش ، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال : أنا واللّه أكفيكم شأنه فانطلق حتى دخل عليه بيته ، فقال للوليد : ألم تر إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة ؟ فقال : ألست أكثرهم مالا وولدا ؟ فقال له أبو جهل : يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه ، فقال الوليد : أقد تحدث به عشيرتي ؟ فلا واللّه لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة ، وما قوله إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ فأنزل اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً - إلى قوله - لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ . وقال قتادة : زعموا أنه قال : واللّه لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة ، وإنه عليه لطلاوة ، وإنه ليعلو وما يعلى عليه وما أشك أنه سحر فأنزل اللّه : فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ الآية . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ قبض ما بين عينيه وكلح ، وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عباد بن منصور عن عكرمة أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام فأتاه فقال أي عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا . قال : لم ؟ قال يعطونكه فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله ، قال قد علمت قريش أني أكثرهم مالا ، قال : فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال وأنك كاره له ، قال فماذا أقول فيه ، فو اللّه ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، واللّه إن لقوله الذي يقوله لحلاوة ، وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يعلى ، وقال واللّه لا يرضى قومك حتى تقول فيه ، قال فدعني حتى أتفكر فيه ، فلما فكر قال : إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره ، فنزلت : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً - حتى بلغ - تِسْعَةَ عَشَرَ . وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحوا من هذا ، وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه قبل أن يقدم عليهم وفود العرب للحج ليصدوهم عنه ، فقال قائلون : شاعر وقال آخرون : ساحر وقال آخرون : كاهن وقال آخرون : مجنون كما قال تعالى : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * [ الإسراء : 48 ] كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه ، ففكر وقدر ونظر وعبس وبسر ، فقال :
--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 309 .