ابن كثير

264

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

لكم فيّ أسوة حسنة ؟ » فنهاهم عن ذلك فأشهدهم على رجعتها ، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال : ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال نعم ، قال : ائت عائشة فسلها ثم ارجع إليّ فأخبرني بردها عليك . قال : فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها « 1 » فقال : ما أنا بقاربها « 2 » إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين « 3 » شيئا فأبت فيهما إلا مضيا ، فأقسمت عليه فجاء معي فدخلنا عليها فقالت : حكيم وعرفته قال : نعم . قالت : من هذا الذي معك ؟ قال : سعيد بن هشام . قالت : من هشام ؟ قال : ابن عامر . قالت : فترحمت عليه وقالت : نعم المرء كان عامرا . قلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى . قالت : فإن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان القرآن ، فهممت أن أقوم ثم بدا لي قيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن قيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قالت : ألست تقرأ هذه السورة يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ؟ قلت : بلى . قالت : فإن اللّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة ، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم ، وأمسك اللّه خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا ، ثم أنزل اللّه التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة . فهممت أن أقوم ثم بدا لي وتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قالت : كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه اللّه لما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ثمان ركعات ولا يجلس فيهن إلا عند الثامنة ، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يقول ليصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر اللّه وحده ثم يدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم ، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني ، فلما أسن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخذه اللحم أوتر بسبع ثم صلّى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم فتلك تسع يا بني ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صلّى صلاة أحب أن يداوم عليها ، وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة ، ولا أعلم نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ القرآن كله في ليلة ولا قام ليلة حتى أصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان . فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها فقال : صدقت أما لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة ، هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه وقد أخرجه مسلم « 4 » في صحيحه من حديث قتادة بنحوه . [ طريق أخرى عن عائشة رضي اللّه عنها في هذا المعنى ] قال ابن جرير « 5 » : حدثنا ابن وكيع ،

--> ( 1 ) استلحقته إليها : أي طلبت منه مرافقته إياي في الذهاب إليها . ( 2 ) ما أنا بقاربها : أي لن اقترب منها ، أو لا أريد قربها . ( 3 ) أي أصحاب الجمل وشيعة علي . ( 4 ) كتاب المسافرين حديث 139 . ( 5 ) تفسير الطبري 12 / 279 .