ابن كثير
258
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لا نصير ولا ملجأ وفي رواية : لا ولي ولا موئل . وقوله تعالى : إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ قال بعضهم هو مستثنى من قوله : قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً . . . إِلَّا بَلاغاً ويحتمل أن يكون استثناء من قوله : لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ أي لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] وقوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي إنما أبلغكم رسالة اللّه فمن يعص بعد ذلك فله جزاء على ذلك نار جهنم ، خالدين فيها أبدا أي لا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها . وقوله تعالى : حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً أي حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة ، فسيعلمون يومئذ من أضعف ناصرا وأقل عددا ، هم أم المؤمنون الموحدون للّه تعالى ، أي بل المشركون لا ناصر لهم بالكلية وهم أقل عددا من جنود اللّه عز وجل . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 25 إلى 28 ] قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 ) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( 28 ) يقول تعالى آمرا رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول للناس إنه لا علم له بوقت الساعة ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً أي مدة طويلة ، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه عليه الصلاة والسّلام لا يؤلف تحت الأرض كذب لا أصل له ، ولم نره في شيء من الكتب . وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها ، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال : يا محمد فأخبرني عن الساعة ؟ قال : « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال : يا محمد متى الساعة ؟ قال : « ويحك إنها كائنة فما أعددت لها ؟ » قال : أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام ولكني أحب اللّه ورسوله قال : « فأنت مع من أحببت » قال أنس : فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث « 1 » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن مصفّى ، حدثنا محمد بن حمير ، حدثني أبو بكر بن أبي مريم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 37 ، وتفسير سورة 31 ، باب 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 1 ، 5 ، 7 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في الإيمان باب 4 ، والنسائي في الإيمان باب 5 ، 6 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، والفتن باب 25 ، وأحمد في المسند 2 / 426 .