ابن كثير
256
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ والقول الثاني ] وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ الضلال لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً أي لأوسعنا عليهم الرزق استدراجا ، كما قال تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ الأنعام : 44 ] وكقوله : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [ المؤمنون : 55 - 56 ] وهذا قول أبي مجلز لاحق بن حميد ، فإنه قال في قوله تعالى : وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ أي طريقة الضلالة ، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان وله اتجاه ، ويتأيد بقوله لنفتنهم فيه . وقوله : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً أي عذابا مشقا شديدا موجعا مؤلما ، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد : عَذاباً صَعَداً أي مشقة لا راحة معها ، وعن ابن عباس : جبل في جهنم ، وعن سعيد بن جبير : بئر فيها . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 18 إلى 24 ] وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 ) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ( 19 ) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ( 20 ) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً ( 21 ) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ( 23 ) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً ( 24 ) يقول تعالى آمرا عباده أن يوحدوه في محال عبادته ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به ، كما قال قتادة في قوله تعالى : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً قال : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا باللّه ، فأمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يوحدوه وحده « 1 » . وقال ابن أبي حاتم : ذكر علي بن الحسين ، حدثنا إسماعيل ابن بنت السدي ، أخبرنا رجل سماه عن السدي ، عن أبي مالك أو أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً قال : لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس . وقال الأعمش : قالت الجن : يا رسول اللّه ائذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك ، فأنزل اللّه تعالى : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً يقول : صلوا لا تخالطوا الناس . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا ابن حميد حدثنا مهران ، حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن محمود عن سعيد بن جبير وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً قال : قالت الجن لنبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤون ؟ أي بعيدون عنك ، وكيف نشهد الصلاة ونحن ناؤون عنك ؟ فنزلت وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً .
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 12 / 271 . ( 2 ) تفسير الطبري 12 / 271 .