ابن كثير

254

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ الأحقاف : 29 ] الآية . ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر ، وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها ، هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له وارتاعوا لذلك ، وظنوا أن ذلك لخراب العالم ، كما قال السدي : لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين للّه ظاهر ، فكانت الشياطين قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا ، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر ، فلما بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم نبيا رسولا رجموا ليلة من الليالي ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا : هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب ، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم ، فقال لهم عبد يا ليل بن عمرو بن عمير : ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم ، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء ، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن نظرتم فلم تروها فقد هلك أهل السماء . فنظروا فرأوها فكفوا عن أقوالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة ، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم فقال : ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها ، فأتوه فشم فقال : صاحبكم بمكة ، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين فقدموا مكة فوجدوا نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائما يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن ، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم « 1 » تصيبه ، ثم أسلموا فأنزل اللّه تعالى أمرهم على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من ( كتاب السيرة ) المطول ، واللّه أعلم ، وللّه الحمد والمنة . [ سورة الجن ( 72 ) : الآيات 11 إلى 17 ] وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً ( 11 ) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ( 12 ) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً ( 13 ) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ( 15 ) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً ( 17 ) يقول تعالى مخبرا عن الجن أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي غير ذلك كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً أي طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة ، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً أي منا المؤمن ومنا الكافر . وقال أحمد بن سليمان النجاد في أماليه : حدثنا أسلم بن سهل بحشل ، حدثنا علي بن الحسن بن سليمان وهو أبو الشعثاء الحضرمي شيخ مسلم ، حدثنا أبو معاوية قال : سمعت الأعمش يقول تروح إلينا جني فقلت له : ما أحب الطعام إليكم ؟ فقال الأرز ، قال : فأتيناهم به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدا ، فقلت فيكم من هذه الأهواء التي فينا ؟ قال : نعم فقلت فما الرافضة فيكم ؟

--> ( 1 ) الكلاكل : الصدور .