ابن كثير
248
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السّلام أنه أنهى إليه ، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء ، أنه مع البيان المتقدم ذكره والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه ، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر اللّه ومتع بمال وأولاد وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام ولهذا قال : وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً قرئ وولده بالضم وبالفتح وكلاهما متقارب . وقوله تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً قال مجاهد : كُبَّاراً أي عظيما ، وقال ابن زيد : كُبَّاراً أي كبيرا والعرب تقول أمر عجيب وعجاب وعجّاب ، ورجل حسان وحسّان وجمال وجمّال بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد « 1 » ، والمعنى في قوله تعالى : وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً أي بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى كما يقولون لهم يوم القيامة بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً [ سبأ : 33 ] ولهذا قال هاهنا : وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون اللّه . قال البخاري : حدثنا إبراهيم ، حدثنا هشام عن ابن جريج ، وقال عطاء عن ابن عباس : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد : أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع فكانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ ، وأما يعوق فكانت لهمدان ، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السّلام ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت « 2 » . وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح . وقال ابن جرير « 3 » : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً قال : كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم . وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شيث عليه السّلام من طريق إسحاق بن بشر قال :
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 12 / 253 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 71 . ( 3 ) تفسير الطبري 12 / 254 .