ابن كثير

242

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الصحيح « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان » « 1 » وفي رواية « إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » « 2 » وقوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ أي محافظون عليها لا يزيدون فيها ولا ينقصون منها ولا يكتمونها وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة : 283 ] . ثم قال تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ أي على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها ، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها كما تقدم في أول سورة قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] سواء ولهذا قال هناك : أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ المؤمنون : 10 - 11 ] وقال هاهنا : أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ أي مكرمون بأنواع الملاذ والمسار . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 36 إلى 44 ] فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ( 36 ) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ( 37 ) أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( 38 ) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 42 ) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 43 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 44 ) يقول تعالى منكرا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهم مشاهدون له ولما أرسله اللّه به من الهدى وما أيده اللّه به من المعجزات الباهرات ، ثم هم مع هذا كله فارون منه متفرقون عنه ، شاردون يمينا وشمالا فرقا فرقا ، وشيعا شيعا ، كما قال تعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [ المدثر : 49 - 51 ] الآية . وهذه مثلها فإنه قال تعالى : فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ أي فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مهطعين أي مسرعين نافرين منك ، كما قال الحسن البصري : مهطعين أي منطلقين عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ واحدها عزة أي متفرقين ، وهو حال من مهطعين أي في حال تفرقهم واختلافهم كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب متفقون على مخالفة الكتاب . وقال العوفي عن ابن عباس فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ، قال قبلك ينظرون عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ قال : العزين العصب من الناس عن يمين وشمال معرضين

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 24 ، والشهادات باب 28 ، ومسلم في الإيمان حديث 108 ، والترمذي في الأيمان باب 14 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 24 ، والمظالم باب 17 ، ومسلم في الإيمان حديث 106 ، وأبو داود في السنة باب 15 ، والترمذي في الإيمان باب 14 ، والنسائي في الإيمان باب 20 ، وأحمد في المسند 2 / 189 ، 198 .