ابن كثير
231
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * هذا كتاب من اللّه لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية » وكذا رواه الضياء في صفة الجنة من طريق سعدان بن سعيد عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يعطى المؤمن جوازا على الصراط : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا كتاب من اللّه العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية » . وقوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ أي يقال لهم ذلك تفضلا عليهم وامتنانا وإنعاما وإحسانا ، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة » قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » « 1 » . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 25 إلى 37 ] وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 35 ) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ( 36 ) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ ( 37 ) وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله ، فحينئذ يندم غاية الندم فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ قال الضحاك : يعني موتة لا حياة بعدها ، وكذا قال محمد بن كعب والربيع والسدي ، وقال قتادة : تمنى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ أي لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب اللّه وبأسه ، بل خلص إلي وحدي فلا معين لي ولا مجير ، فعندها يقول اللّه عز وجل : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ أي يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر فتغله أي تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها أي تغمره فيها . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو قال : إذا قال اللّه تعالى خذوه ابتدره سبعون ألف ملك ، إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفا في النار . وروى ابن أبي الدنيا في الأهوال أنه يبتدره أربعمائة ألف ولا يبقى شيء إلا دقه ، فيقول : ما لي ولك ؟ فيقول : إن الرب عليك غضبان فكل شيء غضبان عليك ، وقال الفضيل بن عياض : إذا قال الرب عز وجل خذوه فغلوه ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ أي اغمروه فيها . وقوله تعالى : ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ قال كعب الأحبار : كل حلقة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 18 ، ومسلم في المنافقين حديث 71 ، 76 ، 78 .