ابن كثير

218

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

102 ] وقوله تعالى : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ تقدم تفسيرها في سورة الطور ، والمعنى في ذلك أنك يا محمد تدعوهم إلى اللّه عز وجل بلا أجر تأخذه منهم ، بل ترجو ثواب ذلك عند اللّه تعالى ، وهم يكذبون بما جئتهم به بمجرد الجهل والكفر والعناد . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 48 إلى 52 ] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 ) يقول تعالى : فَاصْبِرْ يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم ، فإن اللّه سيحكم لك عليهم ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يعني ذا النون وهو يونس بن متى عليه السّلام حين ذهب مغاضبا على قومه ، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم ، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير الذي لا يرد ما أنفذه من التقدير فحينئذ نادى في الظلمات أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 87 ] قال اللّه تعالى : فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [ الأنبياء : 88 ] وقال تعالى : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ الصافات : 143 - 144 ] وقال هاهنا : إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ قال ابن عباس ومجاهد والسدي : وهو مغموم . وقال عطاء الخراساني وأبو مالك : مكروب وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 88 ] خرجت الكلمة تحفّ حول العرش فقالت الملائكة : يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة ، فقال اللّه تبارك وتعالى : أما تعرفون هذا ؟ قالوا : لا ، قال : هذا يونس ، قالوا : يا رب عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة ؟ قال : نعم ، قالوا : أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء فأمر اللّه الحوت فألقاه بالعراء ، ولهذا قال تعالى : فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى » « 2 » ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة ، وقوله تعالى :

--> ( 1 ) المسند 1 / 390 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 24 ، 35 ، وتفسير سورة 4 باب 6 ، وسورة 6 ، باب 4 ، والتوحيد باب د ، وأبو داود في السنة باب 13 ، والترمذي في الصلاة باب 20 .