ابن كثير
206
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وما يعملون وقال السدي : وما يسطرون يعني الملائكة وما تكتب من أعمال العباد ، وقال آخرون : بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه اللّه بالقدر حين كتب مقادير الخلائق ، قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف عام . وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ويونس بن حبيب قالا : حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا عبد الواحد بن سليم السلمي عن عطاء ، هو ابن أبي رباح ، حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال : دعاني أبي ، حين حضره الموت فقال : إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن أول ما خلق اللّه القلم فقال له اكتب ، قال يا رب وما أكتب ؟ قال اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد » « 1 » وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه به ، وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به ، وقال حسن صحيح غريب . ورواه أبو داود في كتاب السنة من سننه عن جعفر بن مسافر عن يحيى بن حسان عن ابن رباح عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة ، واسمه حبيش بن شريح الحبشي الشامي ، عن عبادة فذكره . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا محمد بن عبد اللّه الطوسي ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، أنبأنا عبد اللّه بن المبارك ، حدثنا رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن أول شيء خلقه اللّه القلم فأمره فكتب كل شيء » غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه ، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : وَالْقَلَمِ ، يعني الذي كتب به الذكر . وقوله تعالى : وَما يَسْطُرُونَ أي يكتبون كما تقدم . وقوله : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ أي لست وللّه الحمد بمجنون كما يقوله الجهلة من قومك ، المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين ، فنسبوك فيه إلى الجنون ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ أي بل إن لك الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق وصبرك على أذاهم ، ومعنى غَيْرَ مَمْنُونٍ أي غير مقطوع كقوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود : 108 ] فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [ التين : 6 ] أي غير مقطوع عنهم . وقال مجاهد : غير ممنون أي غير محسوب وهو يرجع إلى ما قلناه . وقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال العوفي عن ابن عباس : وإنك لعلى دين عظيم وهو الإسلام ، وكذلك قال مجاهد وأبو مالك والسدي والربيع بن أنس ، وكذا قال الضحاك وابن زيد . وقال عطية : لعلى أدب عظيم . وقال معمر عن قتادة : سئلت عائشة عن خلق
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في القدر باب 17 ، وتفسير سورة 68 ، وأحمد في المسند 5 / 317 . ( 2 ) تفسير الطبري 12 / 177 .