ابن كثير

185

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ما تنكر أن أراجعك فو اللّه إن أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل . قال : فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت : أتراجعين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : نعم . قلت : وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل ؟ قالت : نعم . قلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ، أفتأمن إحداكن أن يغضب اللّه عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت ، لا تراجعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا تسأليه شيئا وسليني من مالي ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم - أي أجمل - وأحب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منك - يريد عائشة - قال : وكان لي جار من الأنصار ، وكنا نتناوب النزول إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ينزل يوما وأنزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وآتيه بمثل ذلك . قال : وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا ، فنزل صاحبي يوما ثم أتى عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال : حدث أمر عظيم ، فقلت : وما ذاك أجاءت غسان ؟ قال : لا بل أعظم من ذلك وأطول طلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه . فقلت : قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أظن هذا كائنا حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت : أطلقكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة ، فأتيت غلاما له أسود فقلت استأذن لعمر ، فدخل الغلام ثم خرج إلي فقال : ذكرتك له فصمت ، فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم ، فجلست عنده قليلا ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج فقال : قد ذكرتك له فصمت ، فخرجت ، فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي فقال : قد ذكرتك له ، فصمت ، فوليت مدبرا ، فإذا الغلام يدعوني فقال : ادخل قد أذن لك ، فدخلت فسلمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا هو متكئ على رمال الحصير - قال الإمام أحمد : وحدثناه يعقوب في حديث صالح قال : رمال حصير - وقد أثر في جنبه فقلت : أطلقت يا رسول اللّه نساءك ؟ فرفع رأسه إلي وقال : « لا » فقلت : اللّه أكبر . ولو رأيتنا يا رسول اللّه وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت علي امرأتي يوما فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني فقالت : ما تنكر أن أراجعك ؟ فو اللّه إن أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فقلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت ، أفتأمن إحداكن أن يغضب اللّه عليها لغضب رسول اللّه فإذا هي قد هلكت . فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : يا رسول اللّه قد دخلت على حفصة فقلت لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منك . فتبسم أخرى ، فقلت : استأنس يا رسول اللّه ، قال : « نعم » فجلست فرفعت رأسي في البيت ، فو اللّه ما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا أهبة مقامه ، فقلت : ادع اللّه يا رسول اللّه أن يوسع على أمتك ، فقد وسع على فارس