ابن كثير

167

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله تعالى : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً أي إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق اللّه تعالى في قلبه رجعتها ، فيكون ذلك أيسر وأسهل ، قال الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن فاطمة بنت قيس في قوله تعالى : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً قالت : هي الرجعة ، وكذا قال الشعبي وعطاء وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والثوري ، ومن هاهنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم كالإمام أحمد بن حنبل رحمهم اللّه تعالى ، إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة « 1 » أي المقطوعة وكذا المتوفى عنها زوجها ، واعتمدوا أيضا على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات وكان غائبا عنها باليمن ، فأرسل إليها بذلك فأرسل إليها وكيله بشعير يعني نفقة فتسخطته فقال : واللّه ليس لك علينا نفقة ، فأتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « ليس لك عليه نفقة » ولمسلم « ولا سكنى » وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال : « تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك » « 2 » الحديث . وقد رواه الإمام أحمد « 3 » من طريق أخرى بلفظ آخر فقال : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا مجالد ، حدثنا عامر قال : قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فبعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سرية قالت : فقال لي أخوه : أخرجي من الدار ، فقلت : إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل ، قال : لا ، قالت : فأتيت رسول اللّه فقلت : إن فلانا طلقني وإن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة ، فأرسل إليه فقال له : « ما لك ولابنة آل قيس ؟ » قال : يا رسول اللّه إن أخي طلقها ثلاثا جميعا ، قالت : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « انظري يا بنت آل قيس إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة ، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى أخرجي فانزلي على فلانة » ثم قال إنه يتحدث إليها « انزلي على ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يراك » وذكر تمام الحديث . وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عبد اللّه البزار التستري ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف ، حدثنا بكر بن بكار ، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي ، حدثنا عامر الشعبي أنه دخل على فاطمة بنت قيس ، أخت الضحاك بن قيس القرشي ، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت : إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي ، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى فقالوا ما أرسل إلينا في ذلك شيئا ولا أوصانا به ، فانطلقت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت يا رسول اللّه إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي بطلاقي ،

--> ( 1 ) المبتوتة : التي تطلق طلاقا بائنا لا رجعة فيه . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 412 ، وأبو داود في الطلاق باب 39 . ( 3 ) المسند 6 / 373 ، 374 .