ابن كثير
153
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
على من عنده من قومه وقال : هذا ما صنعتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما واللّه لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها ، فسمعها زيد بن أرقم رضي اللّه عنه فذهب بها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : وهو غليم عند عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فأخبره الخبر ، فقال عمر رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه مر عباد بن بشر فليضرب عنقه ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه ، لا ، ولكن ناد يا عمر الرحيل » فلما بلغ عبد اللّه بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتاه فاعتذر إليه ، وحلف باللّه ما قال ، ما قال عليه زيد بن أرقم ، وكان عند قومه بمكان فقالوا : يا رسول اللّه عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل . وراح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها ، فلقيه أسيد بن الحضير رضي اللّه عنه فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال : واللّه لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي ؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل » قال : فأنت يا رسول اللّه العزيز وهو الذليل . ثم قال : ارفق به يا رسول اللّه ، فو اللّه لقد جاء اللّه بك وإنا لننظم له الخرز لنتوّجه ، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكا ، فسار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا ، وصدر يومه حتى اشتد الضحى ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث ، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا ونزلت سورة المنافقين « 1 » . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا بشر بن موسى ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمر بن دينار ، سمعت جابر بن عبد اللّه يقول : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزاة فكسع « 2 » رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار : فقال الأنصاري : يا للأنصار ! وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما بال دعوى الجاهلية ؟ دعوها فإنها منتنة » . وقال عبد اللّه بن أبي ابن سلول : وقد فعلوها ، واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، قال جابر : وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم كثر المهاجرون بعد ذلك ، فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه » « 3 » ورواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد المروزي عن سفيان بن عيينة ، ورواه البخاري عن الحميدي ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان به نحوه .
--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 2 / 290 ، 292 . ( 2 ) كسع : ضرب . ( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 63 ، باب 5 ، وأحمد في المسند 3 / 392 ، 393 .