ابن كثير

150

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

تفسير سورة المنافقون وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ( 1 ) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 2 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 3 ) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 4 ) يقول تعالى مخبرا عن المنافقين أنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك بل على الضد من ذلك ، ولهذا قال تعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ أي إذا حضروا عندك واجهوك بذلك ، وأظهروا لك ذلك ، وليسوا كما يقولون ، ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول اللّه فقال : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ثم قال تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ أي فيما أخبروا به وإن كان مطابقا للخارج لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه ، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم . وقوله تعالى : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة والحلفات الآثمة ليصدقوا فيما يقولون ، فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم ، فاعتقدوا أنهم مسلمون ، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون ، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالا ، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس ، ولهذا قال تعالى : فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ولهذا كان الضحاك بن مزاحم يقرؤها اتخذوا إيمانهم جنة أي تصديقهم الظاهر جنة أي تقية يتقون به القتل ، والجمهور يقرؤها أَيْمانَهُمْ جمع يمين ، وقوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ أي إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران ، واستبدالهم الضلالة بالهدى ، فطبع اللّه عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ . أي فلا يصل إلى قلوبهم هدى ولا يخلص إليها خير فلا تعي ولا تهتدي . وقوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ أي وكانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة ، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم ، وهم مع ذلك