ابن كثير

148

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

العبيد والنساء والصبيان ، ويعذر المسافر والمريض وقيّم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار ، كما هو مقرر في كتب الفروع . وقوله تعالى : وَذَرُوا الْبَيْعَ أي اسعوا إلى ذكر اللّه واتركوا البيع إذا نودي للصلاة ، ولهذا اتفق العلماء رضي اللّه عنهم على تحريم البيع بعد النداء الثاني ، واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا ؟ على قولين وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر اللّه وإلى الصلاة خير لكم أي في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون . وقوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي فرغ منها فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل اللّه ، كما كان عراك بن مالك رضي اللّه عنه إذا صلّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين ، رواه ابن أبي حاتم . وروي عن بعض السلف أنه قال : من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارك اللّه له سبعين مرة لقول اللّه تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وقوله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي في حال بيعكم وشرائكم وأخذكم وإعطائكم اذكروا اللّه ذكرا كثيرا ، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة ، ولهذا جاء في الحديث « من دخل سوقا من الأسواق فقال لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، كتب اللّه له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة » « 1 » وقال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين اللّه كثيرا حتى يذكر اللّه قائما وقاعدا ومضطجعا . [ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 11 ] وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً أي على المنبر تخطب ، هكذا ذكره غير واحد من التابعين ، منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة ، وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم ، وكان معها طبل فانصرفوا إليها وتركوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائما على المنبر إلا القليل منهم ، وقد صح بذلك الخبر فقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا ابن إدريس عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 35 ، وابن ماجة في التجارات باب 40 ، وأحمد في المسند 1 / 47 . ( 2 ) المسند 3 / 313 .