ابن كثير

145

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل اللّه فيها خيرا إلا أعطاه إياه ، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع الضبي ، حدثنا سلمان قال : قال أبو القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا سلمان ما يوم الجمعة ؟ » قلت : اللّه ورسوله أعلم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يوم الجمعة يوم جمع اللّه فيه أبواكم - أو أبوكم - » وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا فاللّه أعلم . وقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة ، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه ، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم ، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق ، واختار اللّه لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل اللّه فيه الخليقة كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم إن هذا يومهم الذي فرض اللّه عليهم فاختلفوا فيه فهدانا اللّه له ، فالناس لنا فيه تبع ، اليهود غدا والنصارى بعد غد » « 1 » لفظ البخاري وفي لفظ لمسلم « 2 » « أضل اللّه عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء اللّه بنا فهدانا اللّه ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا ، والأولون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق » . وقد أمر اللّه المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي اقصدوا واعمدوا واهتموا في سيركم إليها ، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع وإنما هو الاهتمام بها كقوله تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ [ الإسراء : 19 ] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي اللّه عنهما يقرءانها « فامضوا إلى ذكر اللّه » . فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه لما أخرجاه في الصحيحين ، عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا » « 3 » لفظ البخاري وعن أبي قتادة قال : بينما نحن نصلي مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ سمع جلبة رجال ، فلما صلّى قال : « ما شأنكم ؟ » قالوا : استعجلنا إلى الصلاة قال « فلا تفعلوا ، إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا » « 4 »

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجمعة باب 1 ، 12 ، والأيمان باب 1 ، والتعبير باب 40 ، ومسلم في الجمعة حديث 19 . ( 2 ) كتاب الجمعة حديث 21 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 20 ، ومسلم في المساجد حديث 151 ، 152 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 20 ، ومسلم في المساجد 153 ، 154 ، 155 .