ابن كثير

141

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

تفسير سورة الجمعة وهي مدنية عن ابن عباس وأبي هريرة رضي اللّه عنهما ، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين ، رواه مسلم « 1 » في صحيحه . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 2 ) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 3 ) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 4 ) يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض ، أي من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها ، كما قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] ثم قال تعالى : الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ أي هو مالك السماوات والأرض المتصرف فيهما بحكمه ، وهو القدوس ، أي المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ تقدم تفسيرهما غير مرة . وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ الأميون هم العرب ، كما قال تعالى : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ [ آل عمران : 20 ] وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم ، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر ، كما قال تعالى في قوله : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به ، وكذا قال تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] . وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] وقوله : لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام : 19 ] وقوله تعالى إخبارا عن القرآن : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود : 17 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم ، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام بالآيات والأحاديث الصحيحة ، وللّه الحمد والمنة . وهذه الآية هي مصداق إجابة اللّه لخليله إبراهيم ، حين دعا لأهل مكة أن يبعث اللّه فيهم رسولا

--> ( 1 ) كتاب الجمعة حديث 64 .