ابن كثير
117
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : لا تسلطهم علينا فيفتنونا . وقوله تعالى : وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي واستر ذنوبنا عن غيرك واعف عنها فيما بيننا وبينك إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ أي الذي لا يضام من لاذ بجنابك الْحَكِيمُ في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك ثم قال تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [ الأحزاب : 21 ] وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضا لأن هذه الأسوة المثبتة هاهنا هي الأولى بعينها ، وقوله تعالى : لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ تهييج إلى ذلك لكل مؤمن باللّه والمعاد . وقوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّ أي عما أمر اللّه به فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ كقوله تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [ إبراهيم : 8 ] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الغني الذي قد كمل في غناه وهو اللّه ، هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان اللّه الواحد القهار الحميد المستحمد إلى خلقه أي هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله لا إله غيره ولا رب سواه . [ سورة الممتحنة ( 60 ) : الآيات 7 إلى 9 ] عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 7 ) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 9 ) يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً أي محبة بعد البغضة ومودة بعد النفرة وألفة بعد الفرقة وَاللَّهُ قَدِيرٌ أي على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة فتصبح مجتمعة متفقة ، كما قال تعالى ممتنا على الأنصار وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [ آل عمران : 103 ] الآية . وكذا قال لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألم أجدكم ضلالا فهداكم اللّه بي وكنتم متفرقين فألفكم اللّه بي ؟ » « 1 » وقال اللّه تعالى : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ الأنفال : 63 ] وفي الحديث « أحبب حبيبك هونا ما فعسى أن يكون بغيضك يوما ما ، وأبغض بغيضك هونا ما فعسى أن يكون حبيبك يوما ما » « 2 »
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي باب 56 ، ومسلم في الزكاة حديث 139 ، وأحمد في المسند 3 / 57 ، 76 ، 104 ، 253 ، 4 / 42 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في البر باب 60 .