ابن كثير
106
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
لِغَدٍ تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره - حتى قال - ولو بشق تمرة » قال : فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها ، بل قد عجزت ، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب ، حتى رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتهلل وجهه كأنه مذهبة ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » « 1 » انفرد بإخراجه مسلم من حديث شعبة بإسناده مثله ، فقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أمر بتقواه وهو يشمل فعل ما به أمر وترك ما عنه زجر . وقوله تعالى : وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم وَاتَّقُوا اللَّهَ تأكيد ثان إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم ، لا تخفى عليه منكم خافية ولا يغيب من أموركم جليل ولا حقير وقوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أي لا تنسوا ذكر اللّه تعالى : فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم ، فإن الجزاء من جنس العمل ، ولهذا قال تعالى : أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الخارجون عن طاعة اللّه الهالكون يوم القيامة الخاسرون يوم معادهم ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ المنافقون : 9 ] . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، حدثنا المغيرة ، حدثنا حريز بن عثمان عن نعيم بن نمحة قال : كان في خطبة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه : أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم ، فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل اللّه عز وجل فليفعل ، ولن تنالوا ذلك إلا باللّه عز وجل ، إن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم اللّه عز وجل أن تكونوا أمثالهم وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أين من تعرفون من إخوانكم ؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم وخلوا بالشقوة والسعادة ، وأين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط ؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار ، هذا كتاب اللّه لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة ، واستنصحوا بكتابه وتبيانه ، إن اللّه تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى : إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [ الأنبياء : 90 ] لا خير في قول لا يراد به وجه اللّه ولا خير في مال لا ينفق في سبيل اللّه ، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه ، ولا خير فيمن يخاف في اللّه لومة
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 70 ، وأحمد في المسند 4 / 358 ، 361 .