ابن كثير
104
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وهلعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام بالمبارزة والمقاتلة بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة . ثم قال تعالى : بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي عداوتهم فيما بينهم شديدة ، كما قال تعالى : وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [ الأنعام : 65 ] ولهذا قال تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين وهم مختلفون غاية الاختلاف ، قال إبراهيم النخعي : يعني أهل الكتاب والمنافقين ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ثم قال تعالى : كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال مجاهد والسدي ومقاتل بن حيان : يعني كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر ، وقال ابن عباس : كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني يهود بني قينقاع ، وكذا قال قتادة ومحمد بن إسحاق ، وهذا القول أشبه بالصواب فإن يهود بني قينقاع كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أجلاهم قبل هذا . وقوله تعالى : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ يعني مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين وقول المنافقين لهم إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ، ثم لما حقت الحقائق وجد بهم الحصار والقتال ، تخلوا عنهم وأسلموهم للهلكة ، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول للإنسان - والعياذ باللّه - الكفر ، فإذا دخل فيما سول له تبرأ منه وتنصل وقال إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ . وقد ذكر بعضهم هاهنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل ، لا أنها المرادة وحدها بالمثل ، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها . فقال ابن جرير « 1 » : حدثنا خلاد بن أسلم أخبرنا النضر بن شميل أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت عبد اللّه بن نهيك قال : سمعت عليا رضي اللّه عنه يقول إن راهبا تعبد ستين سنة ، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنها ، ولها إخوة فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها ، قال فجاؤوا بها إليه فداواها وكانت عنده ، فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت ، فعمد إليها فقتلها فجاء إخوتها ، فقال الشيطان للراهب : أنا صاحبك إنك أعييتني أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك ، فاسجد لي سجدة ، فسجد له فلما سجد له قال إني بريء منك إني أخاف اللّه رب العالمين ، فذلك قوله : كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ . وقال ابن جرير « 2 » : حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي حدثنا أبي عن أبيه عن جده عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرّحمن بن يزيد عن عبد اللّه بن مسعود في هذه الآية
--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 47 . ( 2 ) تفسير الطبري 12 / 47 .