ابن كثير

100

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

أنس ، فاللّه أعلم . وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا يعني مما أوتوا المهاجرين ، قال وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار فعاتبهم اللّه في ذلك فقال تعالى : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال : وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم » فقالوا أموالنا بيننا قطائع ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أو غير ذلك » قالوا : وما ذاك يا رسول اللّه ؟ قال : « هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر » فقالوا : نعم يا رسول اللّه . وقوله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني حاجة أي يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك . وقد ثبت في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « أفضل الصدقة جهد المقل » « 1 » وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف اللّه تعالى : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [ الإنسان : 8 ] وقوله وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [ البقرة : 177 ] فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به ، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به ، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه ، ومن هذا المقام تصدق الصديق رضي اللّه عنه بجميع ماله ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أبقيت لأهلك ؟ » فقال رضي اللّه عنه : أبقيت لهم اللّه ورسوله « 2 » ، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه ، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء ، فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم رضي اللّه عنهم وأرضاهم . وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير حدثنا أبو أسامة حدثنا فضيل بن غزوان حدثنا أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة قال : أتى رجل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا رسول اللّه أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا رجل يضيف هذه الليلة رحمه اللّه » فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يا رسول اللّه ، فذهب إلى أهله فقال لامرأته : هذا ضيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تدخريه شيئا ، فقالت : واللّه ما عندي إلا قوت الصبية . قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالي فأطفئ السراج ونطوي بطوننا الليلة ، ففعلت ثم غدا الرجل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « لقد عجب اللّه عز وجل - أو ضحك - من فلان وفلانة » وأنزل اللّه تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الوتر باب 12 ، والنسائي في الزكاة باب 49 ، والدارمي في الصلاة باب 135 ، وأحمد في المسند 2 / 358 ، 3 / 412 ، 5 / 178 ، 179 ، 265 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في المناقب باب 16 .