ابن كثير

462

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ذلك الحميم حتى يذوب اللحم ويبقى العظم والعينان في الرأس وهي كالتي يقول اللّه تعالى : فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [ غافر : 71 - 72 ] والحميم الآن يعني الحار ، وعن القرظي رواية أخرى حَمِيمٍ آنٍ أي حاضر وهو قول ابن زيد أيضا ، والحاضر لا ينافي ما روي عن القرظي أولا أنه الحار كقوله تعالى : تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [ الغاشية : 5 ] أي حارة شديدة الحر لا تستطاع ، وكقوله : غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [ الأحزاب : 53 ] يعني استواءه ونضجه فقوله : حَمِيمٍ آنٍ أي حميم حار جدا . ولما كان معاقبة العصاة المجرمين وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه ، وكان إنذاره لهم عن عذابه وبأسه مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصي وغير ذلك قال ممتنا بذلك على بريته فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 46 إلى 53 ] وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 47 ) ذَواتا أَفْنانٍ ( 48 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 49 ) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ( 50 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 51 ) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ( 52 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 53 ) قال ابن شوذب وعطاء الخراساني : نزلت هذه الآية وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ في أبي بكر الصديق ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن مصفى ، حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس في قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ نزلت في الذي قال : أحرقوني بالنار لعلّي أضل اللّه قال تاب يوما وليلة ، بعد أن تكلم بهذا فقبل اللّه منه وأدخله الجنة « 1 » . والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره يقول اللّه تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ بين يدي اللّه عز وجل يوم القيامة وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى [ النازعات : 40 ] ولم يطغ ولا آثر الحياة الدنيا ، وعلم أن الآخرة خير وأبقى فأدى فرائض اللّه واجتنب محارمه ، فله يوم القيامة عند ربه جنتان ، كما قال البخاري رحمه اللّه : حدثنا عبد اللّه بن أبي الأسود ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد اللّه بن قيس ، عن أبيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » « 2 » وأخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث عبد العزيز به ، وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد : لا أعلمه إلا قد رفعه في قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وفي قوله : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ جنتان من ذهب للمقربين

--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 / 202 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 55 ، باب 1 و 2 ، ومسلم في الإيمان حديث 296 ، والترمذي في الجنة باب 3 ، 7 ، وابن ماجة في المقدمة باب 13 ، والدارمي في الرقاق باب 101 ، وأحمد في المسند 4 / 411 ، 416 .