ابن كثير
460
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يقول تعالى : فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ يوم القيامة كما دلت عليه هذه الآيات مع ما شاكلها من الآيات الواردة في معناها كقوله تعالى : وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ وقوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [ الفرقان : 25 ] وقوله : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ [ الانشقاق : 1 - 2 ] وقوله تعالى : فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ أي تذوب كما يذوب الدردي والفضة في السبك ، وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها ، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء ، وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة العظيم . وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أحمد بن عبد الملك ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الصهباء ، حدثنا نافع أبو غالب الباهلي ، حدثنا أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يبعث الناس يوم القيامة والسماء تطش عليهم » قال الجوهري : الطش المطر الضعيف ، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : وَرْدَةً كَالدِّهانِ قال : هو الأديم الأحمر ، وقال أبو كدينة عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ كالفرس الورد ، وقال العوفي عن ابن عباس : تغير لونها ، وقال أبو صالح : كالبرذون الورد ، ثم كانت بعد كالدهان . وحكى البغوي وغيره أن الفرس الورد تكون في الربيع صفراء ، وفي الشتاء حمراء ، فإذا اشتد البرد تغير لونها ، وقال الحسن البصري : تكون ألوانا . وقال السدي : تكون كلون البغلة الوردة ، وتكون كالمهل كدردي الزيت ، وقال مجاهد كَالدِّهانِ كألوان الدهان ، وقال عطاء الخراساني : كلون دهن الورد في الصفرة ، وقال قتادة : هي اليوم خضراء ويومئذ لونها إلى الحمرة يوم ذي ألوان . وقال أبو الجوزاء : في صفاء الدهن . وقال ابن جريج : تصير السماء كالدهن الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم . وقوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ وهذه كقوله تعالى : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ الرسلات : 35 - 36 ] فهذا في حال وثم حال يسأل الخلائق عن جميع أعمالهم ، وقال اللّه تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 - 93 ] ولهذا قال قتادة : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قال : قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا ، لأنه أعلم بذلك منهم ، ولكن يقول : لم عملتم كذا وكذا ؟ فهذا قول ثان . وقال مجاهد في هذه الآية : لا تسأل الملائكة عن المجرمين بل يعرفون بسيماهم ، وهذا قول ثالث ، وكأن هذا بعد ما يؤمر بهم إلى النار فذلك الوقت لا يسألون عن
--> ( 1 ) المسند 3 / 266 ، 267 .