ابن كثير

452

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 1 إلى 13 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( 10 ) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ( 11 ) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن ، ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى : الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ قال الحسن : يعني النطق ، وقال الضحاك وقتادة وغيرهما : يعني الخير والشر ، وقول الحسن هاهنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن ، وهو أداء تلاوته ، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها . وقوله تعالى : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس : 40 ] وقال تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ الأنعام : 96 ] . وعن عكرمة أنه قال : لو جعل اللّه نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد ، ثم كشف حجابا واحدا من سبعين حجابا دون الشمس ، لما استطاع أن ينظر إليها . ونور الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي ، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش ، ونور العرش جزء من سبعين جزءا من نور الستر . فانظر ماذا أعطى اللّه عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا ، رواه ابن أبي حاتم . وقوله تعالى : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ قال ابن جرير « 1 » : اختلف المفسرون في معنى قوله وَالنَّجْمُ بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق ، فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : النجم ما انبسط على وجه الأرض يعني من النبات ، وكذا قال سعيد بن جبير والسدي وسفيان الثوري ، وقد اختاره ابن جرير رحمه اللّه تعالى . وقال مجاهد : النجم الذي في السماء . وكذا قال الحسن وقتادة ، وهذا القول هو الأظهر واللّه أعلم لقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [ الحج : 18 ] الآية .

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 574 .