ابن كثير
443
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أن اللّه يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام اللّه عز وجل . قلت : ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف » « 1 » وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا وللّه الحمد والمنة ، وقوله : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر اللّه حفظه ومعناه ؟ وقال محمد بن كعب القرظي : فهل من منزجر عن المعاصي ؟ . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسن بن رافع ، حدثنا ضمرة عن ابن شوذب ، عن مطر هو الوراق في قوله تعالى : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * هل من طالب علم فيعان عليه ، وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق ، ورواه ابن جرير « 2 » ، وروي عن قتادة مثله . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 18 إلى 22 ] كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 21 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) يقول تعالى مخبرا عن عاد قوم هود ، إنهم كذبوا رسولهم أيضا ، كما صنع قوم نوح وأنه تعالى أرسل عليهم رِيحاً صَرْصَراً وهي الباردة الشديدة البرد فِي يَوْمِ نَحْسٍ أي عليهم ، قاله الضحاك وقتادة والسدي مُسْتَمِرٍّ عليهم نحسه ودماره لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي . وقوله تعالى : تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار ، ثم تنكسه على أم رأسه فيسقط إلى الأرض ، فتثلغ « 3 » رأسه فيبقى جثة بلا رأس ، ولهذا قال : كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ . فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 23 إلى 32 ] كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 ) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ( 26 ) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 ) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ( 29 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 30 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ( 31 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 32 ) وهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب 5 ، ومسلم في المسافرين حديث 264 ، 270 ، 272 ، 274 ، وأبو داود في الوتر باب 22 ، والترمذي في القرآن باب 9 ، والنسائي في الافتتاح باب 37 ، ومالك في القرآن حديث 5 ، وأحمد في المسند 5 / 141 ، 114 ، 124 ، 127 ، 128 ، 132 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 556 . ( 3 ) ثلغ : أي شدخ .