ابن كثير
423
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بنخلة ، وهي بين مكة والطائف ، وكانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد : لنا العزى ولا عزى لكم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قولوا اللّه مولانا ولا مولى لكم » . وروى البخاري « 1 » من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا اللّه ، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق » فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية ، كما قال النسائي : أخبرنا أحمد بن بكار ، وعبد الحميد بن محمد قالا : حدثنا مخلد ، حدثنا يونس عن أبيه ، حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : حلفت باللات والعزى ، فقال لي أصحابي : بئس ما قلت ! قلت هجرا . فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : « قل لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وانفث عن شمالك ثلاثا ، وتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ثم لا تعد » « 2 » . وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة ، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة . وروى البخاري « 3 » عن عائشة نحوه ، وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة . غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز ، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها . قال ابن إسحاق في السيرة : وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة . بها سدنة وحجاب وتهدي لها كما يهدى للكعبة ، وتطوف بها كطوافها بها ، وتنحر عندها ، وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم عليه السلام ومسجده : فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة ، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم ، حلفاء بني هاشم « 4 » . قلت : بعث إليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول : [ رجز ] يا عزّى كفرانك لا سبحانك * إنّي رأيت اللّه قد أهانك « 5 » وقال النسائي : أخبرنا علي بن المنذر ، أخبرنا ابن فضيل ، حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال : لما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ، وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات ، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ، ثم أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبره فقال : « ارجع فإنك لم تصنع شيئا » فرجع خالد ، فلما أبصرته السدنة وهم
--> ( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 53 ، باب 2 . ( 2 ) أخرجه النسائي في الأيمان باب 12 . ( 3 ) تفسير سورة 53 ، باب 2 . ( 4 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 83 ، 84 . ( 5 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( عزز ) ، وتاج العروس ( عزز ) ، والمخصص 15 / 190 .