ابن كثير
412
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يا رسول اللّه ؟ قال : « إني لا أقول إلا حقا » « 1 » . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 5 إلى 18 ] عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ( 7 ) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ( 9 ) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ( 10 ) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ( 14 ) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ( 16 ) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى ( 18 ) يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه علمه الذي جاء به إلى الناس شَدِيدُ الْقُوى وهو جبريل عليه الصلاة والسلام ، كما قال تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير : 19 - 21 ] وقال هاهنا ذُو مِرَّةٍ أي ذو قوة ، قاله مجاهد والحسن وابن زيد . وقال ابن عباس : ذو منظر حسن ، وقال قتادة : ذو خلق طويل حسن . ولا منافاة بين القولين فإنه عليه السلام ذو منظر حسن وقوة شديدة . وقد ورد في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر وأبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي » « 2 » وقوله تعالى : فَاسْتَوى يعني جبريل عليه السلام ، قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يعني جبريل استوى في الأفق الأعلى ، قاله عكرمة وغير واحد . قال عكرمة : والأفق الأعلى الذي يأتي منه الصبح . وقال مجاهد هو مطلع الشمس . وقال قتادة : هو الذي يأتي منه النهار ، وكذا قال ابن زيد وغيرهم . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا مصرف بن عمرو اليامي أبو القاسم ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن طلحة بن مصرف ، حدثني أبي عن الوليد هو ابن قيس عن إسحاق بن أبي الكهتلة ، أظنه ذكره عن عبد اللّه بن مسعود ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين : أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق . وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد فذلك قوله : وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى وقد قال ابن جرير هاهنا قولا لم أره لغيره ، ولا حكاه هو عن أحد وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى فَاسْتَوى أي هذا الشديد القوي ذو المرة هو ومحمد صلى اللّه عليه وسلم بالأفق الأعلى ، أي استويا جميعا بالأفق الأعلى وذلك ليلة الإسراء ، كذا قال ولم يوافقه أحد على ذلك ، ثم شرع يوجه ما قال من حيث العربية فقال وهو كقوله تعالى : أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا فعطف بالآباء على المكنى في كنا من غير إظهار نحن فكذلك قوله فَاسْتَوى وهو ، قال وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده : [ الطويل ]
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في البر باب 57 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الزكاة باب 24 ، والترمذي في الزكاة باب 23 ، والنسائي في الزكاة باب 90 ، وابن ماجة في الزكاة باب 26 ، والدارمي في الزكاة باب 15 ، وأحمد في المسند 2 / 164 ، 192 ، 377 ، 389 ، 4 / 62 ، 5 / 375 .