ابن كثير
394
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ احتج بهذه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام ، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين ، وهذا الاستدلال ضعيف لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين ، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس فاتفق الاسمان هاهنا لخصوصية الحال ، ولا يلزم ذلك في كل حال ، وقوله تعالى : وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ أي جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل ، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة ، ففي ذلك عبرة للمؤمنين الذين يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 38 إلى 46 ] وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 39 ) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 40 ) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ( 42 ) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ( 43 ) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 44 ) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ ( 45 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 46 ) يقول تعالى : وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بدليل باهر وحجة قاطعة فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ أي فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين استكبارا وعنادا . وقال مجاهد : تعزز بأصحابه ، وقال قتادة : غلب عدو اللّه على قومه ، وقال ابن زيد فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ أي بجموعه التي معه ثم قرأ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ والمعنى الأول قوي كقوله تعالى : ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ الحج : 9 ] أي معرض عن الحق مستكبر وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أي لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرا أو مجنونا قال اللّه تعالى : فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ أي ألقيناهم فِي الْيَمِّ وهو البحر وَهُوَ مُلِيمٌ أي وهو ملوم كافر جاحد فاجر معاند . ثم قال عز وجل وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ أي المفسدة التي لا تنتج شيئا قاله الضحاك وقتادة وغيرهما ولهذا قال تعالى : ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ أي مما تفسده الريح إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ أي كالشئ الهالك البالي ، وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد اللّه ابن أخي ابن وهب ، حدثنا عمي عبد اللّه بن وهب ، حدثني عبد اللّه يعني ابن عياش القتباني ، حدثني عبد اللّه بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الريح مسخرة من الثانية - يعني من الأرض الثانية - ، فلما أراد اللّه تعالى أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا قال أي رب أرسل عليهم الريح قدر منخر الثور ؟ قال له الجبار تبارك وتعالى لا إذا تكفأ الأرض ومن عليها ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم فهي التي قال اللّه عز وجل في كتابه : ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ هذا الحديث رفعه منكر والأقرب أن يكون موقوفا على