ابن كثير

391

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الإسلام سهم ، يعني لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها ، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها : هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه ، وقال الضحاك : هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب ، قضى اللّه تعالى له ذلك . وقال أبو قلابة : جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل ، فقال رجل من الصحابة رضي اللّه عنهم : هذا المحروم وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما أيضا وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ونافع مولى ابن عمر رضي اللّه عنهما وعطاء بن أبي رباح : المحروم المحارف . وقال قتادة والزهري : المحروم الذي لا يسأل الناس شيئا . قال الزهري وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه » « 1 » وهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر . وقال سعيد بن جبير : هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فيرضخ له . وقال محمد بن إسحاق : حدثني بعض أصحابنا قال : كنا مع عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه في طريق مكة ، فجاء كلب ، فانتزع عمر رضي اللّه عنه كتف شاة فرمى بها إليه وقال : يقولون إنه المحروم ، وقال الشعبي : أعياني أن أعلم ما المحروم ، واختار ابن جرير « 2 » أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان وقد ذهب ماله ، سواء كان لا يقدر على الكسب أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها . وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد رضي اللّه عنه قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث سرية فغنموا ، فجاء قوم لم يشهدوا الغنيمة ، فنزلت هذه الآية وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وهذا يقتضي أن هذه مدنية وليس كذلك بل هي مكية شاملة لما بعدها . وقوله عز وجل : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ أي فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد والجبال والقفار والأنهار والبحار ، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم وما جبلوا عليه من الإرادات والقوى ، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات والسعادة والشقاوة ، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه ، ولهذا قال عز وجل : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ قال قتادة : من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة . ثم قال تعالى : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ يعني المطر وَما تُوعَدُونَ يعني الجنة ، قاله ابن

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الزكاة باب 53 ، ومسلم في الزكاة حديث 101 ، والنسائي في الزكاة باب 76 ، وأحمد في المسند 1 / 384 ، 446 ، 2 / 316 ، وانظر تفسير الطبري 11 / 458 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 11 / 458 .